كمال الدين دميري
74
حياة الحيوان الكبرى
فبعث إلى جميع الكهان والسحرة والمنجمين من رعيته ، فاجتمعوا إليه فقال : إني رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت منها ! فقالوا : قصها علينا نخبرك بتأويلها ! فقال لهم : إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم في تأويلها ، ولست أصدق في تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها . فقال بعضهم لبعض : إن هذا الذي يرومه الملك لا يجده إلا عند شق وسطيح ! فلما أخبروه بذلك ، أرسل الملك من أتاه بهما ، فسأل سطيحا فقال : أيها الملك إنك رأيت جمجمة خرجت من ظلمة ، فأكلت كل ذات جمجمة ! فقال الملك : ما أخطأت شيئا فما عندك في تأويلها ؟ فقال سطيح : احلف بما بين الحرتين من حنش ، ليهبطن أرضكم الحبش ، وليملكن ما بين أبين إلى جرش . فقال الملك : وأبيك يا سطيح ، إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى يكون ذلك أفي زماني أم بعده ؟ فقال : بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين . قال الملك : ومن الذي يلي ذلك ؟ من قتلهم إخراجهم ؟ قال : يليه ابن ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع . قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي ، يأتيه الوحي من ربه العلي ، قال : وممن هذا النبي ؟ قال : من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر « 1 » ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . فقال الملك : وهل للدهر من آخر يا سطيح ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيؤون . فقال الملك : أحق ما تقول يا سطيح ؟ قال : نعم ، والشفق والغسق ، والقمر إذا اتسق ، إن ما أخبرتكم به لحق . ثم إن الملك أحضر شقا فسأله كما سأل سطيحا فقال له شق : إنك رأيت جمجمة خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت كل ذات نسمة . فلما سمع الملك مقالة شق ، قال له : ما أخطأت شيئا . فما عندك في تأويلها ؟ فقال شق : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، لينزلن أرضكم السودان ، وليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران . فقال الملك : وأبيك يا شق ، إن ذلك لنا لغائظ مؤلم ! فمتى يكون ذلك ، أفي زماني أم بعده ؟ فقال : بل بعده بزمان . ثم يستنقذكم منه عظيم الشأن ، ويذيقهم أشد الهوان . فقال الملك : من هو العظيم الشان ؟ قال : غلام من غلمان اليمن ، يخرج من بيت ذي يزن . فقال الملك : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول ، هو خاتم الرسل ، يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل . فقال الملك : وما يوم الفصل ؟ فقال شق : يوم يجزى فيه الولاة ، ويدعى من السماء دعوات ، يسمعها الأحياء والأموات ، ويجمع الناس فيه للميقات ، فيفوز فيه الصالحون بالخيرات . فقال الملك : أحق ما تقول يا شق ؟ قال : أي ورب السماء والأرض وما بينهما ، من رفع وخفض ، إن ما أنبأتكم به لحق ماله من نقض . فوقع ذلك في نفس الملك ، لما رأى من تطابق شق وسطيح ، على ما ذكراه . فجهز أهل بيته إلى الحيرة فرقا من سلطان الحبشة . وروي عنه ، أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ارتجس فيها إيوان كسرى ،
--> « 1 » مالك بن النضر بن كنانة ، أبو الحارث جد جاهلي ، من أجداد النبي صلى اللَّه عليه وسلم .